بقلم انطوان شاربنتيي – عاشت فرنسا في الآونة الأخيرة أسوأ الحملات الانتخابية الرئاسية في تاريخ الجمهورية الخامسة من تدني مستوى النقاش السياسي، لينحصر بالمشادات الكلامية بين المرشحين، خاصة في الامور الشخصية، كما دخلت سورية بنداً أساسياً في خطابات المرشحين الفرنسيين لرئاسة الجمهورية، علماً أن الانتخابات الرئاسية هي موضوع فرنسي داخلي، لكن المرشحين، كما سائر حكام فرنسا حصروا كل مبادئ السياسة الخارجية الفرنسية بأزمة سورية، ما يؤكد مرة أخرى انقياد فرنسا وراء سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في العالم.

 

حتى في قضية داخلية كالانتخابات الرئاسية، لن يخرج المرشحون الفرنسيون بموضوع السياسة الخارجية عن الخط الذي رسمه لهم المحور الصهيوني العالمي منذ بعض السنين، ما يؤكد انه بغض النظر عن من سينتخب بالدورة الثانية فانه لن يكون بالأمر السهل على فرنسا الخروج من تحت السيطرة الصهيونية و استعادة سيادتها و قرارها الحر، وإن كانت سورية تتصدر الأولية في سياسة فرنسا الخارجية، فماذا عن السياسة الخارجية الفرنسية من الحرب في اليمن، ليبيا،والعراق؟ ماذا عن معاناة شعب البحرين، والعلاقة مع روسيا والصين؟.

 

فرزت انتخابات الدورة الأولى، مرشحَين منتميَين إلى مشروعين مختلفين تماماً: أمنويل ماكرون، الابن الروحي للرئيس الحالي فرانسوا هولاند، المتخفي وراء مبدأ الوسطية السياسية، لكن الوسطيين في فرنسا كثر و لن ينجحون يوما في الوصول الى الحكم، و مشاركتهم في عدة حكومات على الاقل منذ عهد نيكولا ساركوزي كانت هامشية و من دون أيا صدى سياسي، ناهيك عن التقاتل السياسي المعيب بين بعض بين الأحزاب الوسطية، ايمانويل ماكرون سيتابع حتماً سياسة فرانسوا هولاند التي برهنت عن فشل ذريع، من الناحية الداخلية و الخارجية، وخفّة في التعامل السياسي وقيادة فرنسا، وقد صرح ماكرون في نيته بتكملة الحرب بسوريا للإطاحة بالرئيس بشار الأسد، و انه سيتدخل في سوريا تحت راية الأمم المتحدة أو دونها، في حين عدم موافقتها، بالتالي خطورة هذه التصريحات تنقسم الى قسمين: الاول ان لا حلول سياسية في سوريا، خصوصا مع وجود ماكرون بالحكم في فرنسا، و ترامب في أميركا، النقطة الثانية هي ان في هذه التصريحات حول سوريا، هي تأكيد من مانويل ماكرون الصهيونية العالمية و منهم اسرائيل، و بشكل غير مباشر، بتلبية امنيتهم في تكملة الحرب في سوريا، فهذا التهور، و انعدام الرؤية السياسية و الميدانية، يدل على ان ماكرون خاضع للقوى الاستعمارية، الصهيونية، و هو ليس الا ناطقها الرسمي في فرع فرنسا.

 

أما بالنسبة لمارين لوبين التي ليس لها أية خبرة في الحكم، ولو أنها هي ووالدها قضيا حياتيهما في المعترك السياسي الفرنسي، تؤكد منذ وقت إرادتها التعامل مع الحكومة السورية و الرئيس بشار الأسد لمحاربة الإرهاب، عسى ان لا تضع كل المسلمين بسلة الارهاب، مارين لوبين تريد التقرب من روسيا، اما بالنسبة إلى العامل الصهيوني، فالمرشحة لوبين لن تكسر القاعدة، فالاونة الأخيرة زارت سرا عدة أماكن إسرائيلية و تقربت في حزبها و بعكس والدها من الخط المعادي للعرب، اكثر من الخط المعادي لليهودية، و الصهيونية.

 

إن فاز ايمانويل ماكرون، أو مارين لوبين في الانتخابات الرئاسية، فالاثنان لا يستطيعان تحقيق ما يطمحان له، و الوعود ممكن أن تبقى حبر على ورق كالعهدين السابقين، فأمنويل ماكرون المدعوم من الرأسمالية العالمية المتصهنية، لن يكون إلا بإمرتها، وخاضعاً لها، ودعمها له هو بهدف الهيمنة أكثر فأكثر على فرنسا وإخضاعها كلياً لإرادتها، كما هو الحال مع الرئيس فرانسوا هولاند، اما بالنسبة لمارين لوبين ستكون مضطرة لإعادة النظر ببرنامجها و منهجها السياسي، خصوصا اذا انتقلت من رئاسة حزبها، الى رئاسة فرنسا، المفارقة كبيرة، فالخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي كانت فرنسا من أول مؤسسيه، وإيقاف التعامل باليورو، مع أن كل البلدان حول فرنسا يتعاملون باليورو، يطرح السؤال عن قدرة السيدة لوبين جعل الفرنك الفرنسي القديم أقوى من اليورو؟

 

كم سيكلف هذا التحول الاقتصاد الفرنسي المنهار منذ عدة عقود؟، وما هي قدرة المرشحة مارين لوبين في عصر العولمة على إعادة حدود فرنسا إلى ما كانت عليه قبل إنشاء الاتحاد الأوربي؟ هذه الأمور وغيرها كموقفها الإيجابي من الحرب في سورية، ودفاعها عن مسيحيي الشرق، لا تجعل منها رئيسة مستقلة أو أكثر حرية في قرارها، لأن فرنسا ليست بعظمة الولايات المتحدة الأمريكية، وليست بقوة ودهاء روسيا، وليست مهيمنة على القارة الأوروبية، لكي تحدد من تلقاء نفسها الأشياء، ضاربة بعرض الحائط كل تطورات العالم من حولها.

 

اما بالنسبة للحكم، اذا انتخبت مارين لوبين رئيسة جمهورية فرنسا، فالمظاهرات و الاحتجاجات ستعم فرنسا و تأخذها الى المجهول، في ظل تداعيات الإرهاب و التهديدات الحالية، ناهيك انها ليس بقدورها أن تحصل على الأغلبية النيابية لتعيين رئيس الوزراء الذي يحلوا لها لكي تحكم كما تشاء، بالتالي بحال وصولها إلى سدة الرئاسة، سيكون هناك خلط بالسلطات، وإعادة تموضع، اما في حال انتخب ماكرون، فمن الممكن أن يحصل على الغالبية النيابية، لكنه سيلاقي صعوبة كبيرة بسبب الشارع الفرنسي الذي سيتكاتف ضده.

 

في الوقت الحاضر العراك السياسي، محتدم أكثر فأكثر في فرنسا، بعبور مارين لوبين إلى الدورة الثانية و النقاش السياسي منعدم كليا في الشارع الفرنسي، لن يكون في الفترة القادمة تطرّق إلى مشاريع المرشحين إلى الدورة الثانية، بل كل الاهتمامات والجهود، كما هي حال وسائل الإعلام، ستكون مسخّرة لمحاربة اليمين المتطرف، وعلى رأسه مارين لوبين، لمنعها من الوصول إلى سدّة الرئاسة، و اذا انتخب ماكرون فسيكون هذا نوعا ما بفضل لوبين، لإبعادها عن الحكم و ليس حبا لمشروعه السياسي، كل هذه التداعيات، ستترك أثراً جسيماً على الحياة السياسية الفرنسية، ما سيشكل تحولات كبيرة، وقد تكون خطيرة على مستقبل فرنسا.