كانت الدِني طايفة.. وهو واقف عَ الطريق.. لاطي تحت البلكون.. الهوا عمْ يسفّق عَ جلدو.. إلو من جمعة مش آكل يِمكن.. صارْ جِلدِة عَ عَضمة.. بسْدايماً في ضحكة عَ وُجّو.. خَصلة أخَدها من إمّو…

إمّو ما شافها ولا عرفها… ماتت هيي وعم تخلّفو… ما عرفا الاّ بِ صورة تركتا.. صورة عمْ تضحك فيا.. قبل ما ياكلا المرض.. ضحكة… هي كل شي تركتلو ياه…

بيّو ما طلع هالرجال كمان.. خسر شغلو لمن احترق معمل البويا يلّي كان يشتغل في.. وبلّش يشرب ويسكر.. ويضربو.. وهونيك ليلة كان بيّو شربان… حملو وزتّو علْ حيط وفجملو راسو.. وفجملو كرامتو…

ولمن غفي بيّو…فتح باب التخشيبة وفلّ.. وبلّش يركض.. وما وقف.. وما اطلّع وراه.. وما أخد معو شي… الاّ صورة إمّو…

كان عمرو ستّ سنين لمن صار ابن الحياة.. وابن الشارع.. وابن الشتي.. وابن الجوع.. واكتشف قدّيش الحياة ظالمة… وقديش الحياة صعبة وموحشة.. لمّن ما حدن بيسأل عنك… لمن ما بتعني شي لحدن.. لمن ما بيكون عندك أمّ تغمرك.. وتلفلّك عروس.. وتركع قدام تختك أو حصيرتك لمن تكون مريض.. وتعطيك كل شي عندا حتى لو ما بِقي شي عندا…

كان يمسّح قزاز السيارات تا ياخد ليرة يشتري فيا كعكة… او يطلّع غراض للعالم عَ الدرج تيعطو نصّ قبعة خبز.. وكان يشرب من ميّة الشتي.. تعوّد عليا..وصار يحبّا .. و أوقات كتيرة كان ينام بلا أكل كلّ النهار.. كل الجمعة… وكان تيقدر يغفى.. يتخيّل انو عمْ ياكل بمطعم مع إمّو.. وقبل ما ينام يصلّي تَ يحلم بإمّو..علْ قليلة يشوفا بلْ الحلم…

قطعت سيارة مسرعة وطرّشتو مي.. وهوّي وعم بمسّح وجّو بكمّو.. شاف ولد من عمرو ماسك إيد إمو عم يمشي عل الرصيف التاني.. قَطَع نفسو.. لِحقو بعيونو.. كأنّو شاف حالو.. كأنو عم يحضر فيلم.. كأنو عم يحضر حلمو..

فات الولد هو وإمو علْ مطعم.. وقَعَدُو ع طاولة.. وطلبو أكل.. وصارت الأم تطعمي ابنها.. وتغنّجو.. لِحقهن… قرّب عَ شباك المطعم.. لزّق وجّو بالإزاز.. تيشوف هل مشهد يلّي عَ طول بيحلم فيه… وصار المشهد مغبّش من ورا الهَبَلِة.. بس عِرف انو هيدا المشهد مش الو ومش لمسرحيتو.. هو انكتبلو سيناريو تاني… انكتبلو دراما… لا فيا مطعم… ولا فيا أكل… ولا فيا إم… بس هو رفض هيدي الدراما.. ورفض ينمعس تحت إجرين القدر.. ورفض يستسلم لليأس.. وقرّر يُكتب قدرو بنفسو.. قرّر يعيش…

فلّ وراح علْ المطرح الوحيد يلّي بيرتاح فيه… علْ بيت الوحيد يلي بِ خلّو يفوت عليه بهلْ منظر.. علْ بيت يلّي بِ حسّ فيه انه هو انسان.. بيت الله…

صار صِحبة هو والمصلوب.. وصار المصلوب بينطرو… واذا طوّل وما إجا لعندو بينشغل بالو عليه.. يا ما قضّو ليالي هني وعم يحكو.. أو بالأحرى هو عم يحكي.. ويبكي.. ويلّي عَ الصليب يسمعلو…

بس بهلْ ليلة كانو دموعو عم ينزلو ع وجّو مش متل العادة.. كان في وجع أكبر.. وجع يلي بيوعا من حلم حلو وبِ شوف الواقع المر يلّي عايش فيه.. وجع يلي فهم إنو يلّي راحو ما رح يرجعو.. وإنّو الحياة فيا أوقات كاس مُرّة ما في مهرَب من شربا.. بس بضلّ في أمَل…

تْنَهّد…وِقِف.. مسّح دمُوعو… نَفَّض تيابو.. قرّب من المصلوب.. وعبطو.. وبقي عابْطو.. وبعد شي دقيقة اطلّع فيه وقلّو: طالما انت هَون انا ما بخاف.. قديش في كنايس بالعالم.. انت اخترت هلْ الكنسية تتكون حَدّي.. من شين هيك ما رَحْ إتركك.. ولا رح إيأس…

يلّا صار الأبونا واصل.. رَحْ فوت أُلبُس تَوْبْ الخدمة وحضّر المبخَرة للقدّاس.. لِمِّن كل العالم بتْصلّيلك إلَكْ ولأمك.. ساعتها أنا بحسّ بالأمل.. وبحسّ انو إمي حدّي.. وبشوفها عمْ تضحكلي… متلْ الصورة.. وعمْ تقلّي: ما تخاف يا حبيبي… أنا حدّك.. ومعك.. ورحْ ضلّني بقلبك… لحتى نرجع نِلْتِقي…

وبهَلْ لحظة.. اذا اطلعت بالمصلوب.. بتشوف دمعة عم تنزل من عَيْنو… وعمّ تكرج عَ وجّو… وبتوقَف عَ قلبو.. تَ تِتْبخَّر صلا وايمان ورجا…

.رمزي سلوان، ٢٠١٧ ، خواطر من صدى الروح.