يا بشير،
نخاطب فيك اليوم الحياة التي أطفأوها فينا، يا حارس الحلم ومصوب البوصلة، علك تقرأ وجعنا وتسمع أنين كل من آمن بمشروعك من هذا اللبنان المتنوع… وكل خائف على وجوده وهويته وخصوصيته…
يا بشير
لقد عاد ال٢٣ من آب: يوم دخلت من باب الشرعية « مشروع وطن » لتنتشل شعبًا بأكمله من قعر الضياع. اينكَ يا ايتها الثورة التي ضاعت منا يوم غُدرت…
أراسلك في ذكرى انتصارك(نا) بقلمٍ حزين ،بأسم جيلٍ لم يعاصرك ولم يبقى له منك سوى صدى صوتك الهادر ورنين كلماتك التي لا تزال تهزّ الضمائر وترعب عروش اشباه القادة وفاقدي الاخلاق. جيل ورث حلمك ومشروعك وحاول ان « يمشي على دعساتك » قبل ان يكسروا رجليه…
يا بشير…
طل من عليائك لعلك تحطم هذا الصمت وتكسر قيد اليأس والذل والخنوع الذي زرعوه مكان عنفوانك وحب الحياة.
انظر يا بشير إلى هذه الطبقة التي غدرت بك وبالوطن … إلى فئة « الأغنياء الجدد » التي نبتت على حساب أوجاعنا!
أمراء الحرب اصبحوا متمولين من اصحاب الثروات. لقد شتتوا الإرث، وباعوا القضية، وسخّفوا تاريخاً كُتب بالشهادة والملاحم. كل هذا من أجل المليارات والمناصب الكرتونية في دولة مفرغة ومؤسسات يتقاسمون فيها المغانم! ودمائك وشهدائنا التي دفُعت ثمنًا لنبقى، هي اليوم في بازار المتاجرة السياسية ولعبة الأمم…
لقد صنعت يا بشير انتصاراً حقيقياً، وبنيت أنصاراً حقيقيين، رجال دولة أصحاب كف نظيف، ومقاومين صادقين ما زال أعداء هذا الوطن يخشون إرثهم!
لم تكن بحاجة لا بحياتك ولا بعد استشهادك لأدعاء البطولات؛ أين انتصارك المدوي المبني على الكرامة من انتصاراتهم الوهمية اليوم؟ وما هي سوى هزائم متتالية، مغلفة بالأوهام الفارغة… حرقت الوطن، وهجّرت الشعب، وسلخت الأرض عن هويتها وتاريخها وجذورها!
وفي ملهاةٍ كبرى وممنهجة عن المصير والوجود والحقوق حوّلوا ثقافة الحياة إلى مسرحية هزلية! جيلٍ كامل يتربى في كنف عقيدتهم الخانعة، « مخدر » في « المطاعم والملاهي »… ضمنوا خضوعه لسلطان مصالحهم، حتى لا ينتفض ويحاسبهم…
أصبحنا تائهين… والشعب المسكين مكبل بقيود الذل والتبعية منقاد خلف « الزعيمٍ المَلِك » لعله يتعطف عليه ببعض من حقوقه المسروقة! اضحينا غابة يتناتشوا فيها مال الفقير بغلاء فاحش و »جوع عتيق »، متجبرين و متناسين قول ابن خلدون: « عندما تكثر الجباية فأن الدولة شارفت على النهاية »
لماذا هذا التسخيف لتاريخنا يا بشير؟
أين هم من « يوم دقّ الخطر »، حين تجمعت نخبة الشبان والشابات، طلاب الجامعات، المثقفون، ورواد الفكر؟ أولئك الذين لم ينتظروا إذناً من أحد، بل حملوا السلاح بيد والقلم باليد الأخرى ونزلوا إلى الجبهات ليصنعوا وطناً. اين بطولة ذاك الجيل؟ أما ما تفعله بهم اليوم الزعامات الروحية والزمنية على حد سواء فحدث ولا حرج: الزعامات الزمنية تتاجر بما تبقى في سوق المصالح، والزعامات الروحية تكتفي ببيانات القلق والمساومة. كلهم شركاء في طمس الوجود والهوية المقاومة، وكلهم تركوا هذا الشباب يتيماً بلا سند!
لهذا يرحل شبابنا هاربين من جحيم الواسطة والفساد والجشع…
والوجع؟؟؟ لقد فقدوا الشغف، والروابط، فقدوا « علة وجودهم » في أرضٍ أقنعهم قادتها أن البقاء فيها انتحار…
بيوتنا أُطفئت أنوارها يا بشير!
تشتتت العائلات، وتُرك الآباء والأمهات الجيل الذي قاوم معك حاملاً شعلة الأمل، للموت ببطء من غصة الفراق والوحدة وليموت معهم حلمٌ غاب بغياب أولادهم، متسائلين: لمن تركنا هذا التراب وهذه البيوت؟ الـ ِ »تجار الهيكل »؟
أنت يا بشير رسمت لهذه الأجيال قدراً ودرباً، وجمعتها حول فكرة الدولة المبنية على الكرامة والمواطنية والسيادة المطلقة. ليتك ترى كيف تاهت الدرب وتلوثت الهوية…
نخاطبك اليوم في ٢٣ آب ٢٠٢٦ بمرارة طعنة الظهر: صحيح لقد أورثتنا ثورة ومشروع وطن…
لكن الذين جاؤوا من بعدك استكثروا علينا حتى الحلم…
حتى اوصلونا الى خطر الاندثار… الى نقطة الا عودة…
أحوالنا يا بشير مظلمة كغيابك، ثائرة كصوتك، حزينة ك يوم استشهادك…
ولن تهدأ حتى نعيد الفجر الذي يشبه الـ 21 يوماً التي زينت سماء الوطن …
ولن تهدأ حتى نخلع الثوب الاسود بعد حداد دام ٤٤ عامًا…
ريما يوسف سعد
حركة » الخيار الآخر »


