خمسَ وعشرين سنة من وقت ما ترَك ضيْعتو.. سنين شقى وتعب و وَجَع.. كان عمْ يشتغل فيا ليل ونهار.. خمسَ وعشرين سنة وأمّو كل يوم تبوّس صورتو.. وبيّو يطّلع ورا الجبال ويتأمّل…

كان طموحو أكبر من هل بلد يلّي خلق فيه.. ولأنو أهلو علّمو ما يرضخ للواقع.. قرّر يكافح ويهاجر متلو متل ملايين الشباب يلّي فلّو قبلو.. قرّر يفلّ تَ يفتش عَ مستقبل أفضل، بِ لِيق بطموحو.. بِ لِيق بكرامتو.. بِ لِيق بأحلامو…

أهلو عطيو كلّ شي عندن تيأمّن حياة أفضل.. ببلد بعيش فيه كإنسان.. وما تردّدو لحظة لمن قلّن إنو بدّو يسافر عَ اميركا تَ يفتّش عَ مستقبلو.. غريبْ هلْ مستقبل.. كل ما بدك تفتّش عليه.. ولا مرة بيكون بلبنان…

ونهار يلي بدّو يسافر.. عبطو بيّو وشدّ عليه.. و وصّا ينتِبه عَ حالو وما يطوّل الغيبة… إمّو ما كان فيا تحكي.. كانت الغصة بقلبها ودموعا بيحكو عنا.. اطلّع فيا وشاف بعيونا حزن و وجع و قَلَق.. بس كمان شاف فيون حب كبير وحنان وعاطفة.. حتى هو ما كان قادر يحكي… كان قلبو غاصِص لأنو عم يترك شقفة من روحو…

وصل ع اميركا ، بالأوّل قعد عند شبّ صاحبو.. وصار يفتش ع أي شغلة تَ يعيش.. اشتغل على محطة.. يعبّي بنزين ويغسّل السيارات وعطيو قوضة ينام فيا.. وبعدن اشتغل بمحل سمانة يوصّل غراض عَ بيوت الناس.. بس ما كان المعاش حرزان.. أنجأ كان يأدّي أكل وأجار الغرفة… واشتغل بمطعم لبناني مسّح الحمامات أول شي… بعدين صار يجلي الصحون ..

وكان يقوم نهار الأحد قبل الضوّ تيقصّ العشب بجنينات الاغنيا.. وصار يفتّش عَ وظيفة باختصاصو.. وجرّب يتوظّف بشركات بسْ شهادتو ما سمحتلو.. يا ضيعان المصاري يلّي حطّوون أهلو عَ الجامعة…

صار يجمّع مصاري من شغلو….. ووقت صار معو حق القسط… التحق بمدرسة مهنية ليلية.. وكان يشتغل بالنهار ويتعلّم بالليل… حسّن انكليزيتو وتابع دروس متخصّصة… وبعد سنتين أخد شهادة من هلْ المعهد.. معترف فيا باميركا.. وكان كل نهار أحد يحكي أهلو ويخبّرهن كيف عم يتقدم بحياتو.. كانو ينبسطولو بالرغم من حرقة البعد.. وكان كل أمل بيو وأمو أنو يشوفو مرة تاني قبل ما يفلّو من هلْ دني…

الغربة صعبة.. موحشة… بتوجّع.. كان يواجها كل يوم…كل ليلة.. خاصّةً لمّن كان يشوف العِيَل مجتمعة سوا…

كان يغصّ بس ما كان ييأس لأنو كان عندو حلم كبير متل المنارة يلّي عمْ تدلّو ع الطريق.. حلم حطّو بشنطو لمّن ترك ضيعتو وأهلو…و حافظ عليه بالرغم من الشقى .. أنو رح يصير شي نهار رجّال ناجح ويرجع لأهلو ويخلّين يفتخرو فيه…وكان كل ما قسْيِت عليه الغربة.. يحاربا بإيمانو.. وهل شي خلّي يكفّي الطريق بسلام …

وهونيك نهار.. ضهريات ،كان بيّو عمْ يسقي الزريعة قدام السطيحة.. وإمّو عم تعمل مربّى للشتي.. وقفت سيارة قدّام البيت.. ونزل منا رجّال ومرا وولدين وقرّبو صوبن.. وبهلْ لحظة.. كأنّو وقف الزمن.. حتى الزيز سَكَت…
وركض إبنن صوبن وعبطُن.. وما كان بدّو يفلتن.. كان بدّو يشمّ ريحتن.. ويبوّس تجاعيد وجّن.. ويشوف عيونن عم يضوّو من الفرح والفخر لرجعة ابنن بعد ما صار رجّال ناجح بالحياة… واشترى المطعم يلّي كان يشتغل فيه.. هيدا كل شي عاشو كرمالو… هيدا كل شي كان بدّن يي من هلْ الدني.. وَلا نهار فَقَدو الأمل أو الإيمان.. ولا وهوّي كمان…
متل كتير من الشباب يلّي طموحن كان أكبر من هلْ البلد…

رمزي سلوان، حزيران ٢٠١٧، خواطر من صدى الروح.